الشنقيطي

516

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ذلك . والمعنى : أنه يأخذ حزمة فيها مائة عود فيضربها بها ضربة واحدة ، فيخرج بذلك من يمينه . وقد قدمنا في سورة « الكهف » الاستدلال بآية وَلا تَحْنَثْ على أن الاستثناء المتأخر لا يفيد ؛ إذ لو كان يفيد لقال اللّه لأيوب قل إن شاء اللّه ؛ ليكون ذلك استثناء في يمينك . قوله تعالى : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 87 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) [ 87 - 88 ] . أي واذكر ذا النون . والنون : الحوت . « وذا » بمعنى صاحب . فقوله ذَا النُّونِ معناه صاحب الحوت ؛ كما صرح اللّه بذلك في « القلم » في قوله وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [ القلم : 48 ] الآية . وإنما أضافه إلى الحوت لأنه النقمة كما قال تعالى : فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 142 ) [ الصافات : 142 ] . وقوله : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فيه وجهان من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر : الأول - أن المعنى فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي لن نضيق عليه في بطن الحوت . ومن إطلاق « قدر » بمعنى « ضيق » في القرآن قوله تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [ الرعد : 26 ] أي ويضيق الرزق على من يشاء ، وقوله تعالى : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [ الطلاق : 7 ] الآية . فقوله : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أي ومن ضيق عليه رزقه . الوجه الثاني - أن معنى لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ لن نقضي عليه ذلك . وعليه فهو من القدر والقضاء . « وقدر » بالتخفيف تأتي بمعنى « قدر » المضعفة : ومنه قوله تعالى : فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) [ القمر : 12 ] أي قدره اللّه . ومنه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهدا لذلك : فليست عشيات الحمى برواجع * لنا أبدا ما أورق السلم النضر ولا عائذ ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر والعرب تقول : قدر اللّه لك الخير يقدره قدرا ، كضرب بضرب ، ونصر ينصر ، بمعنى قدره لك تقديرا ؛ ومنه على أصح القولين « ليلة القدر » لأن اللّه يقدر فيها الأشياء ؛ كما قال تعالى : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( 4 ) [ الدخان : 4 ] والقدر بالفتح ، والقدر بالسكون : ما يقدره اللّه من القضاء ؛ ومنه قول هدبة بن الخشرم : ألا يا لقومي للنوائب والقدر * وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري أما قول من قال : إن لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ من القدرة - فهو قول باطل بلا شك ؛ لأن نبي اللّه يونس لا يشك في قدرة اللّه على كل شيء ، كما لا يخفى .